المقريزي

156

إمتاع الأسماع

دلت الآية بإطلاقها على وجوب طاعة الرسول ، والآتي بمثل ما فعله الغير لأجل أن ذلك الغير فعله طالع لذلك الغير ، فوجب أو يكون ذلك واجبا . وسابعها : قوله تعالى : ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) ( 1 ) ، بين أنه تعالى إنما زوجه لها ليكون حكم أمته مساويا لحكمه في ذلك وهو المطلوب . وأما الإجماع فلأن الصحابة بأجمعهم اختلفوا في الغسل بالتقاء الختانين ، فقالت عائشة رضي الله عنها : فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا ، فرجعوا إلى ذلك ، وإجماعهم على الرجوع حجة ، وهو المطلوب . وإنما كان ذلك لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أجمعوا هاهنا على أن مجرد الفعل للوجوب ، ولأنهم واصلوا الصيام لما واصل ، وخلعوا نعالهم لما خلع ، وأمر هم عام الحديبية بالتحلل فتوقفوا ، فشكا ذلك إلى أم سلمة رضي الله عنها فقالت : اخرج إليهم فاحلق واذبح ، ففعل ، فحلقوا وذبحوا مسارعين ، وأنه خلع خاتمة فخلعوا ، وأن عمر رضي الله عنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول : إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك ، وأما خلع الخاتم فهو مباح ، فلما خلع أحبوا موافقته لا لاعتقادهم وجوب ذلك عليهم . والجواب عن الوجه الأول من المعقول أن الاحتياط إنما يصار إليه إذا خلا عن الضرر قطعا ، وهاهنا ليس كذلك لاحتمال أن يكون ذلك الفعل حراما ، وإذا احتمل الأمران لم يكن المصير إلى الوجوب احتياطا . وعن الثاني إن ترك الإتيان بمثل ما يأتي به الملك العظيم قد يكون تعظيما ، ولذلك يقبح من العبد أن يفعل كل ما يفعله سيده ، واحتج القائلون بالندب بالقرآن والاجماع والمعقول . أما القرآن : فقوله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ، فلو كان التأسي به واجبا لقال عليه ، ولما لم يقل ذلك وقال لكم دل على عدم الوجوب ، ولما أثبت الأسوة دل على رجحان جانب الفعل على الترك ، فلم يكن

--> ( 1 ) الأحزاب : 37 .